محمد بن محمد ابو شهبة

237

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

نزّهه اللّه سبحانه عن الشعر ، والرسالة تقتضي انطلاقا في الأسلوب والتعبير ، والشعر تقيد والتزام ، وصدق اللّه حيث يقول : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ . ومع هذا فقد كان يتذوق ما في الشعر من جمال وحكمة وروعة ، ويستنشده أصحابه أحيانا ، ولا عجب فهو القائل : « إنّ من البيان لسحرا ، وإن من الشعر لحكما » رواه البخاري . ولم يشرب خمرا قط ، ولا اقترف فاحشة ، ولا انغمس فيما كان ينغمس فيه المجتمع العربي حينئذ من اللهو ، واللعب ، والميسر « القمار » ، ومصاحبة الأشرار ، ومعاشرة القيان ، والجري وراء الغيد الكواعب « 1 » ، على ما كان عليه من فتوة وشباب ، وشرف نسب ، وعزة قبيلة ، وكمال وجمال وغيرها من وسائل الإغراء . ولقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم يذكر ذلك وهو كبير ، ويعدّه من نعم اللّه عليه ، وعصمته له ، فقد روي عنه أنه قال : « ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمّون به « 2 » إلا مرتين ، وكلتاهما عصمني اللّه عز وجل فيهما ، قلت ليلة لبعض فتيان قريش ، ونحن في رعي غنم أهلها ، قلت لصاحبي : أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر « 3 » فيها كما يسمر الفتيان ، فقال : نعم ، فدخلت حتى جئت أول دار من مكة ، فسمعت عزفا بالغرابيل « 4 » ، والمزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : تزوج فلان فلانة ، فجلست أنظر ، وضرب اللّه على أذني ، فو اللّه ما أيقظني إلا مسّ الشمس ، فرجعت إلى صاحبي ، فقال : ما فعلت ؟ قلت : ما فعلت شيئا ! ثم أخبرته بالذي رأيت . ثم قلت له ليلة أخرى : أبصر لي غنمي حتى أسمر ففعل ، فدخلت ، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة ، فسألت ،

--> ( 1 ) الغيد الكواعب : البنات الحسان اللاتي في سن البلوغ . ( 2 ) في رواية البيهقي : « يهمون به من النساء إلا ليلتين » والمراد مما يتعلق بالنساء كالعرس ، فقد نصت الرواية على ذلك والقصة واحدة . أو لعلها السماع بدل النساء . ( 3 ) أي ألهو كما يلهو الشباب . ( 4 ) الدفوف .